محمد بن علي الشوكاني
265
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
الآخر سنة 999 تسع وتسعين وتسعمائة ، قرأ على الشيخ لطف اللّه بن محمد الغيّاث ، وكان يتعجّب من فهمه وحسن إدراكه وقرأ على جماعة من علماء عصره ، وبرع في كل الفنون وفاق [ 105 ] في الدقائق الأصولية والبيانية والمنطقية والنحوية وله مع ذلك شغلة بالحديث والتفسير والفقه وألّف الغاية وشرحها الكتاب المشهور الذي صار الآن مدرس الطلبة وعليه المعوّل في صنعاء وجهاتها ، وهو كتاب نفيس يدل على طول باع مصنّفه وقوة ساعده وتبحّره في الفن ، اعتصره من مختصر المنتهى وشروحه وحواشيه ومن مؤلّفات آبائه من الأئمة في الأصول ، وساق الأدلة سوقا حسنا ، وجوّد المباحث واستوفى ما تدعو إليه الحاجة ولم يكن الآن في كتب الأصول من مؤلّفات أهل اليمن مثله ، ومع هذا فهو ألّفه وهو يقود الجيوش ويحاصر الأتراك في كل موطن ويضايقهم ويوردهم المهالك ويشنّ عليهم الغارات ، وله معهم ملاحم تذهل المشاهد لبعضها عن النظر في كتاب من كتب العلم ، فكيف به رحمه اللّه وهو قائد الجيوش وأمير العساكر والمرجوع إليه هو وأخوه الحسن المقدّم ذكره فيما دق وجل من أمر الجهاد ، فإن بعض البعض من هذا يوجب تكدّر الذّهن وتشوّشه ونسيان المحفوظات فضلا عن تصنيف الدقائق وتحرير الحقائق والمزاحمة لعضد الدين والسّعد التّفتازانيّ والاستدراك عليهما وعلى أمثالهما من المشتهرين بتحقيق الفنّ فما هذه إلا شجاعة [ تتقاعس عنها ] « 1 » الشّجعان ورصانة لا يقعقع لها بالسّنان ، وقوّة جنان تبهر الألباب ، وثبات قدم في العلوم ، لم يكن لغيره في حساب ، وما زال رحمه اللّه مجاهدا وقائما في حرب الأتراك قاعدا وناشرا للعلوم محقّقا لحدودها والرسوم حتى توفاه اللّه تعالى في آخر ليلة الجمعة ثاني شهر ربيع الآخر سنة 1050 خمسين وألف سنة بمدينة ذمار ودفن بها في قبّته المشهورة « 2 » وله نظم حسن فمنه :
--> - وهجر العلم ( 2 / 1072 - 1073 رقم 25 ) . والروض الأغن ( 1 / 175 - 176 رقم 312 ) . ومصادر الفكر العربي ص 162 . ( 1 ) في [ ب ] يتقاعس عندها . ( 2 ) وعلى طراز قبته الشريفة بمحروس ذمار فوق الباب الشّرقيّ هذه الأبيات : -